محمد الريشهري
2152
ميزان الحكمة
* ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار * أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) * ( 1 ) . * ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم * ساء ما يحكمون * وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ) * ( 2 ) . التفسير : قوله تعالى : * ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا - إلى قوله - رب العرش الكريم ) * : بعدما بين ما سيستقبلهم من أحوال الموت ، ثم اللبث في البرزخ ، ثم البعث بما فيه من الحساب والجزاء ، وبخهم على حسبانهم أنهم لا يبعثون ، فإن فيه جرأة على الله بنسبة العبث إليه ، ثم أشار إلى برهان العبث . فقوله : * ( أفحسبتم . . . ) * إلخ معناه : فإذا كان الأمر على ما أخبرناكم - من تحسركم عند معاينة الموت ثم اللبث في القبور ثم البعث فالحساب والجزاء - فهل تظنون أنما خلقناكم عبثا تحيون وتموتون من غير غاية باقية في خلقكم وأنكم إلينا لا ترجعون ؟ وقوله : * ( فتعالى الله الملك الحق * لا إله إلا هو رب العرش الكريم ) * إشارة إلى برهان يثبت البعث ، ويدفع قولهم بالنفي في صورة التنزيه ، فإنه تعالى وصف نفسه في كلمة التنزيه بالأوصاف الأربعة : أنه ملك ، وأنه حق ، وأنه لا إله إلا هو ، وأنه رب العرش الكريم . فله أن يحكم بما شاء من بدء وعود وحياة وموت ورزق ، نافذا حكمه ماضيا أمره لملكه ، وما يصدر عنه من حكم فإنه لا يكون إلا حقا ، فإنه حق ولا يصدر عن الحق بما هو حق إلا حق دون أن يكون عبثا باطلا . ثم لما أمكن أن يتصور أن معه مصدر حكم آخر يحكم بما يبطل به حكمه وصفه بأنه لا إله - أي لا معبود - إلا هو ، والإله معبود لربوبيته ، فإذا لا إله غيره فهو رب العرش الكريم - عرش العالم - الذي هو مجتمع أزمة الأمور ، ومنه يصدر الأحكام والأوامر الجارية فيه . فتلخص : أنه هو الذي يصدر عنه كل حكم ، ويوجد منه كل شئ ، ولا يحكم إلا بحق ، ولا يفعل إلا حقا ، فللأشياء رجوع إليه وبقاء به وإلا لكانت عبثا باطلة ولا عبث في الخلق ولا باطل في الصنع . والدليل على اتصافه بالأوصاف الأربعة كونه تعالى هو الله الموجود لذاته الموجد لغيره ( 3 ) . قوله تعالى : * ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا . . . ) * إلى آخر الآية : لما انتهى الكلام إلى ذكر يوم الحساب عطف عنان البيان عليه فاحتج عليه بحجتين : إحداهما ما ساقه في هذه الآية بقوله : * ( وما خلقنا السماء . . . ) * إلخ وهو
--> ( 1 ) ص : 27 ، 28 . ( 2 ) الجاثية : 21 ، 22 . ( 3 ) تفسير الميزان : 15 / 72 - 73 .